ابن أبي مخرمة
579
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
عسكر البلد لقتالهم ، فلم تزل الحرب بينهم مستقيمة إلى نحو ربع النهار ، ثم رجع سلمان إلى مراكبه منهزما ، وقتل جماعة من أهل البلد بالنبل والبندق ، وكان السلطان لما علم بوصول المصريين إلى بندر عدن . . أرسل أخاه الشيخ عبد الملك شدادة لأهل عدن ، وكان جماعة من البدو قد أغاروا على الرعارع لينهبوها ، فلما وصلوها . . بلغهم الخبر أن الشيخ عبد الملك بمعالي الوادي ، فاستمروا راجعين ، فتعرض لهم جماعة من العبيد الذين مع الشيخ عبد الملك ، فقتل البدو عبدا من عبيد الدولة ، وأمر الشيخ عبد الملك بالكف عن قتال البدو ، ثم دخل لحج ، ثم رحل عنها إلى عدن ، فأصبح يوم الخميس ثاني الوقعة بالتلاج ، فنصب خيامه ثمّ ، وأقام فيه طول نهاره ، فلما رأى المصريون كثرة الخيام . . سألوا عن ذلك وكان لهم جواسيس وعيون ، فأخبروا بوصول الشيخ عبد الملك وقد لقوا منه اللقاء بوقعة المرجف ، فأيسوا من البلد ، ودخل الشيخ عبد الملك إلى عدن مع الغروب ليلة الجمعة ، وأراد دخول دار السعادة من الباب الكبير من ناحية الميدان ، فأشار عليه الأمير وجماعة بدخوله من باب السر خشية أن يرمي المصريون بالبنادق والمدافع ، فدخلها من باب السر ، وصلّى الجمعة بعدن ، فلما تحققوا دخول الشيخ عبد الملك . . شالوا جميع ما كان لهم بصيرة من المدافع وغيرها إلى المراكب ، وأصبحوا يوم السبت مرتفعين عن البندر راجعين من حيث جاءوا ، فصادفوا مركب التركي وصل من جدة يريد الهند وقصده الدخول إلى حقّات لإنزال ركبه وحمل فيه إلى عدن ، فمنعوه من دخول عدن ، ولم يغيروا عليه حالا ، فعزم إلى الهند بمن معه ، وتوجّه المصريون إلى جهة الشام وكانوا مقلين من الماء ، فدخلوا رباك يستقون وفيها عسكر العقارب وغيرهم ، فقاتلوهم وحصروهم في حضيرة يقال : إنه كان سلمان في الحضيرة محصورا ، فرمى المصريون بندقا أصاب بعض العرب ، فانجفلت العرب ، فخرج المصريون من الحضيرة إلى مراكبهم ، واختلف سلمان وحسين ، وقصد سلمان زيلع ، فشحن منها البر وسار إلى جدة ، وقصد حسين باب المندب ، ثم المخا ، ثم المتينة ، ثم كمران ، وتوجه منها إلى جدة ، وصام الشيخ عبد الملك رمضان بعدن ، وعيد بها عيد الفطر « 1 » . وفي ليلة الخامس والعشرين من رمضان : وقع بعدن مطر عظيم امتلأ منه الصهاريج جميعها ، وأمر الشيخ عبد الملك بعمارة ما تخرب من سور عدن ، فعمر عمارة قوية ، وكان
--> ( 1 ) « الفضل المزيد » ( ص 361 ) ، و « تاريخ الشحر » ( ص 111 ) .